٢

أنا، الغير موجودة

البارحة، بعدما شاهدت فلم السيد.لا أحد Mr.Nobody
أخذت بالتفكير بفكرة عدم الوجود، كنت في السيارة وقتها، أغمضت عيني وبدأت أصغي للأصوات من حولي وأراقبها باعتقاد كامل بأني غير موجودة في هذه اللحظة التي يدور فيها هذا الكون، هذه الفكرة كانت خلاقة جدا بالنسبة لي، خصوصا أني اعتدت القراءة في التعاليم الروحية عن معنى الحضور في اللحظة وممارسة كثير من التمارين عليها. هاتين الفكرتين المتكاملتين، فكرة الوجود وعدم الوجود، نقلتاني الى فكرة أخرى،
هب أن الناس أجمعين هم شخص واحد بأشكال وأسماء وصفات مختلفة وموزعة على البشرية كلها، أعني مثلا أمي هي أنا في وضع أمومي مربي وحذر جدا على من تعتني بهم بكل حب، وأبي هو أنا في جنس ذكر ووضعية أب مسؤول، والرئيس أوباما هو انا في شكل رجل من أصول أفريقية وفي وضعية رئيس لأمريكا، ليدي غاغا هي أنا في وضع بهلواني مرح، وأوبرا هي أنا في وضعية باحث بريء جدا، المجرم في السجن هو أنا في ظروف تعذيب قهرية، البائع العبوس في البقالة هو أنا، الخادمة في المنزل هي أنا ، ستيف جوبز هو أنا في القبر، الاستاذة التي تستفزني هي أنا، لويس أمستردام هو أنا، أنجيلا ديفيز هي أنا، جارنا الذي لانعرفه هو أنا، رجل الهيئة هو أنا وكل هؤلاء البشر هم أنا في أشكال مختلفة،
هذه الدهشة تذكرني بأول مرة أدرك فيها آية” فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين” أن الله لم يأمر الملائكة لأن تسجد لمجرد جسد الإنسان، وإنما لروح الإله التي تسري فيه، أذكر أني عشت فترة طويلة أستشعر هذا المعنى، أن المخلوقات تتنفس بروح الله، هذا المعنى جعلني أنتبه من أن أؤذي أحدا لأن روحه مقدسة، أدركت وقتها لم قدسية الإنسان أكبر من قدسية الكعبة، وكنت أتساءل فيم لو أدرك الناس هذا المعنى هل سيجرؤ أحدهم ليقتل آخرا؟ أن يخدعه؟ يؤذيه؟ .
وحينما أعود لفكرة اليوم، فاني حتما سأتفهم مواقف كثيرة أمر بها، لن أطلق الأحكام على الناس، ولن أهتم بتصنيفهم الى خير وشر، لن أحسد أحد ولن أتمنى أن أكون أحدا، سأكون أكثر تسامحا وأكثر حبا، سأبتسم لكل المارة العبوسين والبشوشين،الناجحين والفاشلين، إدراكا من أنهم أنا، وأنا هم في صورنا المتوازية.
فأن ترى الآخرين بكل أشكالهم وأخطائهم ونواياهم على أنهم أنت، هذا شيء عظيم يحدوك لأن تكون شيئا آخر احتمالا آخر، تشكله بنفسك وتتسامى به عن فكرة أن تكون شبيها بأحد يأسرك، لأنك موجود فيه ولأن “غير الموجود منك” فيهم هو أنت الذي تعيشه، وأنت حتما إنسان فريد، جدير بالحب والإحترام .