٣

عبدالرحمن البغدادي


في عام ١٨٦٦م أبحر الشيخ عبدالرحمن البغدادي من المغرب متوجهاً إلى البصرة لكن عاصفة قوية أجبرت قبطان السفينة على تغيير وجهتها إلى ريو دي جانيرو ، وهناك ألتقى بمجموعة من المسلمين الأفارقة الذين فرحوا لرؤية رجل من بلاد المسلمين، وطلبوا منه البقاء في البرازيل لتعليمهم أمور الدين بعد أن علموا أنه عالم وداعية وملم بالعلوم الشرعية .
وافق على البقاء معهم بعد ما رأى من جهل متفشي في عقائدهم وكان عددهم في ذلك الوقت٥٠٠٠.

تؤكد الوثائق التاريخية أن أكثرية المنحدرين من الأفارقة الذين جيء بهم "كعبيد"عام ١٥٣٨ إلى البرازيل كانوا من جذور إسلامية.

يعود جهلهم بتعاليم الإسلام بسبب وفاة حفظة القران الكريم ، وبُعدهم عن موطنهم الأصلي ، بالإضافة لدور المترجم اليهودي في تحريف الدين ، وإجبار الكنيسة للتعميد ومحاربتها في ذلك الوقت لكل مظهر إسلامي.

كانت معرفتهم بالقرآن محدودة فمن يحفظ القرآن حتى سورة {النبأ}يعتبر في نظرهم عالماً كبيراً ، ولم يعرفوا من الحروف العربية إلا القليل ، وأيضاً طريقة صلاتهم وصيامهم كانت خاطئة، فقام بتحفيظهم القرآن والأحاديث الشريفة وتعليمهم اللغة العربية وتدرج في إصلاح أخطاء العقيدة لديهم وفي النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وألف في ذلك رسائل خطية باللغة العربية لتعريفهم بإركان الإسلام الخمسة.

قال الشيخ: "وأغلبُ القوم حفِظوا الرِّسالة، واستوعبوا المقالة، فظَهَر عليهم تغيير الحالة، وصاروا يتوضَّؤون، وللخمس يصلُّون، وبالصلاة يقرؤون".

ولقلة المصاحف قام بالبحث عنها لتوفيرها للمسلمين ووجد في إحدى المكتبات مصحفًا باللغة العربية مطبوعًا في فرَنسا في أحد المكتبات ، فاشتراه ، وأخبر صاحب المكتبة بحاجته للمزيدِ مِن المصاحف، وفعلاً وصل عدد المصاحف التي استطاع الحصول عليها ١٠٠ نسخة ، إضافةً إلى كُتب في قواعد اللغة العربية باللغة الفرنسية فبدأ في إلقاء الدروس وتفسير الأيات وتوضيح الأحكام.

واجه البغدادي معارضة شديدة وصعوبة كبيرة في ترسيخ الأحكام الشرعية الصحيحة منها أن المرأة كانت ترث نصف مال زوجها والباقي يتم توزيعه بين الذكور والإناث بالتساوي فأخبرهم بأن هذا مخالف للشريعة لكن النساء رفضن فقام الشيخُ بتوضيح هذه المسألة، ولكن هذا الأمر لم يرُقْ للنِّسوة، فترك لهم حرية الإختيار ، حتى لا يتنازعوا وينكشِف أمْر إسلامهم للدولة خوفاً من أن تحدث أزمة بين الحكومة البرازيلية والدولة العثمانية بسبب مايقوم به في بلادهم من أمر مخالف لقوانين الدولة.

وأما قصة اليهودي الذي قدِم إلى البرازيل من المغرب ، فقد أوهمهم أنه داعية مسلم وعلمهم الصلاة بطريقة مختلفة وأحل لهم شرب الخمر وأجاز لهم الأكل في رمضان بحجة حرارة الشمس ، ولعل أخطرها هي كذبه على الرسول بأنه فرض ضريبة على من يريد الدُّخول في الإسلام،،فقد جاء رجل إلى الشيخ البغدادي وأخبره أنه الآن قد اكتمل معه كامل المبلغ اللازم لاعتناق الإسلام،فتساءل الشيخ:ولماذا المال؟ فقال الرجل: إنَّ الترجمان أي الرجل اليهودي كان لا يقبل دخول أحدٍ في الدين إلاَّ إذا دفع عشرين ليرة من الذهب ، فأخبرهم أن أخذ المال ممن أراد الدخول في الإسلام محرم شرعاً فيكفي أن تنطق بالشهادتين لتكون من المسلمين.

توالت الوفود للقاء الشيخ البغدادي في مدينة ريو دي جانيرو، طالبين منه زيارته لمناطق أخرى في البرازيل ، فبقي بينهم لمدة ٣ سنوات يعلمهم حتى زادت أعداد المسلمين فيها إلى ١٩٠٠٠ مسلم.

دون الشيخ رحلته وألف مخطوطة أسماها (مسلية الغريب بكل أمر عجيب )موجودة في مكتبة برلين ، نشرت باللغة العربية بالإضافة للغات أخرى، وقام بتحقيق الكتاب الأستاذ باولو فرح من جامعة ساو باولو في البرازيل .

تاريخ المسلمين بخاصة في أمريكا الجنوبية غير معروف لدى الكثيرين منا، و تحديد أول عامٍ أو أول شخص قدم إلى البرازيل أمر في غاية الصعوبة وذلك يعود بسبب عدم تدوين بعض الرحالة لرحلاتهم وضياع الكثير من هذه المخطوطات والرسائل التاريخية ، وأيضاً استحواذ كثير من المكتبات في الغرب كمكتبات برلين والفاتيكان عليها ،وعدم ترجمتها للعربية وإهمالها من قبل المترجمين المسلمين والعرب .